الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

21

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

رَبَّهُ [ مريم : 2 ، 3 ] . والانتباذ : الانفراد والاعتزال ، لأن النبذ : الإبعاد والطرح ، فالانتباذ في الأصل افتعال مطاوع نبذه ، ثم أطلق على الفعل الحاصل بدون سبق فاعل له . وانتصب مَكاناً * على أنه مفعول انْتَبَذَتْ لتضمنه معنى حلت . ويجوز نصبه على الظرفية لما فيه من الإبهام . والمعنى : ابتعدت عن أهلها في مكان شرقي . ونكر المكان إبهاما له لعدم تعلّق الغرض بتعيين نوعه إذ لا يفيد كمالا في المقصود من القصة . وأما التصدّي لوصفه بأنه شرقي فللتنبيه على أصل اتخاذ النصارى الشرق قبلة لصلواتهم إذ كان حمل مريم بعيسى في مكان من جهة مشرق الشمس . كما قال ابن عباس : « إني لأعلم خلق اللّه لأي شيء اتّخذت النصارى الشرق قبلة لقوله تعالى : مَكاناً شَرْقِيًّا » ، أي أن ذلك الاستقبال ليس بأمر من اللّه تعالى . فذكر كون المكان شرقيا نكتة بديعة من تاريخ الشرائع مع ما فيه من مؤاخاة الفواصل . واتخاذ الحجاب : جعل شيء يحجب عن الناس . قيل : إنها احتجبت لتغتسل وقيل لتمتشط . والروح : الملك ، لأن تعليق الإرسال به وإضافته إلى ضمير الجلالة دلّا على أنه من الملائكة وقد تمثل لها بشرا . والتمثل : تكلف المماثلة ، أي أن ذلك الشكل ليس شكل الملك بالأصالة . و بَشَراً حال من ضمير ( تمثل ) ، وهو حال على معنى التشبيه البليغ . والبشر : الإنسان . قال تعالى : إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ [ ص : 71 ] ، أي خالق آدم عليه السلام . والسويّ : المسوّى ، أي التام الخلق . وإنما تمثل لها كذلك للتناسب بين كمال الحقيقة وكمال الصورة ، وللإشارة إلى كمال عصمتها إذ قالت : إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ، إذ لم يكن في صورته ما يكره لأمثالها ، لأنها حسبت أنه بشر اختبأ لها ليراودها عن نفسها ، فبادرته بالتعوذ منه قبل أن يكلمها مبادرة بالإنكار على ما توهمته من قصده الذي هو المتبادر من أمثاله في مثل تلك الحالة . وجملة إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ خبرية ، ولذلك أكدت بحرف التأكيد . والمعنى :